حبيب الله الهاشمي الخوئي
165
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
هو الغنيّ المطلق المتعالى عن الفاقة والافتقار ، وإنّما حثّهم على الهجرة وعلى الايمان المتحصّل بالهجرة وساير التكاليف الشرعيّة المتفرّعة عليه لأجل ايصال النفع إلى العباد وإنجائهم من العقوبة يوم المعاد . فهذه الجملة أعني قوله : ما كان للَّه اه ، بمنزلة الاستيناف البياني فانّ قوله : والهجرة قائمة اه ، لما كان دالا بدلالة التنبيه والإشارة على مطلوبيّة الهجرة ، وربما يسبق منه إلى الأوهام القاصرة أنّ مطلوبيّتها لأجل حاجة إليها منه سبحانه أتا بهذه الجملة دفعا لذلك التوهّم . فقد ظهر بما ذكرناه ضعف ما قاله الشّارح المعتزلي من أنّ معناه ما دام للَّه في أهل الأرض المستسرّ منهم باعتقاده والمعلن حاجة أي ما دام التكليف باقيا زعما منه أنّ جعل ما نافية موجب لادخال كلام منقطع بين كلامين يتّصل أحدهما بالاخر وجه الضعف منع استلزام كونها نافية ، لانقطاع هذه الجملة عما قبلها إذ قد ظهر بما ذكرناه اتّصالها وحسن ارتباطها به كما لا يخفى . مضافا إلى أنّ وصف اللَّه سبحانه بالحاجة على إبقائها على حقيقتها باطل ، وعلى تأويلها بالمعنى المجازي كما أوّلها الشارح البحراني حيث جعل لفظ الحاجة مستعارا في حقه تعالى باعتبار طلبه للعبادة بالأوامر وغيرها كطلب ذي الحاجة لها ممّا يشمئزّ منه الطباع ويأبى عنه الذوق السليم كما لا يخفى . وبالجملة فهذه الجملة معترضة بين الجملتين ، والغرض من الاعتراض تنزيه اللَّه سبحانه من الحاجة والافتقار إلى عبادة أهل الأرض ، فهي نظير الجملة المعترضة في قوله سبحانه * ( « وَيَجْعَلُونَ لِلَّه ِ الْبَناتِ سُبْحانَه ُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ » ) * فانّ قوله : سبحانه جملة لكونه بتقدير الفعل وقعت في أثناء الكلام ، لأنّ قوله : ولهم ما يشتهون ، عطف على قوله : للَّه البنات ، والنكتة فيه تنزيه اللَّه وتقديسه عما ينسبونه إليه . وكيف كان فلما ذكر قيام الهجرة على حدّها الأوّل أوضحه وشرحه بقوله ( لا يقع اسم الهجرة على أحد إلَّا بمعرفة الحجّة في الأرض فمن عرفها وأقرّ بها فهو مهاجر ) يعني أنّه لا يستحق أحد لاطلاق اسم المهاجر عليه وبوصفه بالهجرة إلَّا بمعرفة